قاعدة : درء المفاسد أولى من جلب المصالح


1-رعاية المصلحة ودرء المفسدة من مقاصد الشريعة الإسلامية :
يعبر عن المصالح و المفاسد بالخير و الشر ، و النفع و الضر ، و الحسنات و السيئات ، لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات ، و المفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات ،و قد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح و السيئات في المفاسد ، قال تعالى :" إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " سورة هود/144.
و معظم مقاصد القرآن باكتساب المصالح وأسبابها ، و الزجر عن اكتساب المفاسد و أسبابها ، فكل مأمور به ففيه مصلحة الدارين أو أحدهما ، و كل منهي عنه ففيه مفسدة فيهما أو في احدهما ، فما كان من الاكتساب محصلا لأحسن المصالح فهو أفضل الأعمال ن و ما كان منها محصلا لأقبح المفاسد فهو أرذل الأعمال .فلا سعادة أصلح من العرفان و الإيمان و طاعة الرحمن ، و لا شقاوة أقبح من الجهل بالديان و الكفر و الفسوق و العصيان.
و تنطلق هذه القاعدة من مبدأ سد الذرائع الذي يقضي بتحريم كل الوسائل التي تؤدي إلى الفساد .قال ابن قيم الجوزية :لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب و طرق تفضي إليها ، كانت طرقها و أسبابها تابعة لها مقيدة بها ، فوسائل المحرمات و المعاصي في كراهيتها و المنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها و ارتباطاتها ، ووسائل الطاعات و القربات في محبتها ، و الإذن بها بحسب إفضائها إلى غايتها ، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاها مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات و هي مقصودة قصد الوسائل ..."
   
2-الأساس المعتمد في تحصيل المصالح ودرء المفاسد :
إن الفعل إذا تضمن مصلحة مجردة حصلناها ، و إن تضمن مفسدة مجردة درأناها ، و عن تضمن مصلحة من وجه ومفسدة من وجه ، فإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة و دفع المفسدة توقفنا على المرجح ، و إن لم يستو ذلك بل ترجح أحد الأمرين تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة فعلناه ، إذ ان العمل بالراجح متعين شرعا و على هذا تتخرج جميع الأحكام عند تعارض المصالح و المفاسد فيها أو عند تجريدها ."
يقول العز بن عبد السلام : إذا اجتمعت مصالح و مفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله  سبحانه و تعالى :" فاتقوا الله ما استطعتم " سورة التغابن /16.
و إن تعذر الدرء و التحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة و لا نبالي بفوات المصلحة .."

   3-معيار إدراك المصلحة و المفسدة في الإسلام :
المعيار الصحيح إدراك المصالح و درء المفاسد في الإسلام هو القرآن الكريم و ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم ، و إذا كان من أفضل نعم الله تعالى على عباده العقل الراجح و البصيرة النافذة ، لهذا فهو يدرك المصالح و يدرك حسن الشريعة ، و قبح ما خالفها ـ و به تعرف الأمور على ما هي عليه ، و يميز الحق من الباطل ، فإن قدر المكلف على اتباع النصوص لا يعدل عنها ، و إلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه و النظائر .
يقول ابن تيمية :" ..معيار مقادير المصالح هو بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ، و إلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه و النظائر ، و قل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها و بدلالتها على الأحكام "
و في الموافقات للإمام الشاطبي :" فسواء أكان طريق معرفة الحكم هو النص الصريح المباشر في القرآن الكريم أو السنة أو اجتهاد لمجتهدين فإن الله سبحانه و تعالى هو مصدر الشارع و الأحكام ، لأن دور المجتهد ينحصر في إبراز حكم الله و الكشف عنه بطريق الاستنباط العقلي ، ضمن مقاصد الشريعة و حسب روحها العامة ، إلا أم ما يكون متفقا مع الحكمة و محققا للمصلحة ، فما أباحه فهو نافع و ما حرمه فهو ضار خبيث ، و قد تأكدت هذه الحكمة باستقراء الأحكام الشرعية و فهمها ، فإنها كلها شرعت لتحقيق مصلحة الإنسان ، إما لجلب النفع له أو لدفع الضرر عنه ، فما جعله الشارع مباحا مأذونا أو واجبا مفروضا ، على الإنسان فهو إما نافع له نفعا محضا ، أو أن نفعه أكبر من ضرره ، أو أنه محقق للمنفعة لأكبر مجموعة من الناس ، و ما جعله الشرع حراما أو مكروها فهو لأنه شر محض ، أو لأن ضرره أكبر من نفعه أو لأنه ضار بمصلحة أكبر مجموعة من الناس ."
لهذه المعاني كلها وجب أن يكون مقياس اعتبار المصلحة و المفسدة ، و معيار النفع و الضرر و تقديم الشرع الحكيم –و هو الله سبحانه و تعالى- لما في ذلك من ثبات و خلود و ضمان أكيد لمصلحة الفرد و الجماعة ، و تهيئة الإنسان في الحياة الأخرى.
أما إن ارتبط تقدير النفع و الضرر بإرادة بشرية ، فإن الأنظمة تكون غالبا عرضة للعبث و التلاعب و الإخلال بالمصلحة العامة ، لأن ما يتخيله الناس نفعا أو ضررا يتأثر بالأهواء و الأغراض الخاصة أو محصورا في دائرة ضيقة ، أو منظورا إليه من زاوية معينة ، أو قاصرا غير شامل .

و لهذا كان لزاما على المسلم ان يتجنب ما حرمه الشارع أو نهى عنه ، قبل أن يفعل ما أمر به ، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح / و ذلك لتجنب الناس الوقوع في الضرر و المفاسد القبيحة ، التي تؤذيهم في أموالهم و أنفسهم و أعراضهم و عقولهم .
و معلوم أن الإسلام لم يحرم شيئا على الناس إلا أحل خيرا منه مما يسد مسده و يغني عنه ، مما يدل على سماحة هذا الدين و إرادته للخير و الهداية للعالمين ، قال العز بن عبد السلام في قواعده :"الضابط فيما يخفي من المصالح و المفاسد من غير تعبد ، أنه مهما ظهرت المصالح الخلية عن المفاسد يسعى في تحصيلها ، مهما ظهرت المفاسد الخلية عن المصالح يسعى في درءها ، و إن التبس الحال احتطنا للمصالح بتقدير و جودها و فعلناها، و للمفاسد بتقدير وجودها و تركناها"

أدلــــة هـذه الـقاعـدة :
وردت هذه القاعدة في القرآن الكريم و السنة النبوية و أحاديث تؤكد مضمون هذه القاعدة :
أ/ من القرآن الكريم : قال تعالى :" يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس ، و إثمهما أكبر من نفعهما .." سورة البقرة /219
وجه الاستدلال :
لاشك أن منفعة الخمر في الاتجار بها و الانتفاع بثمنها ، و منفعة الميسر فيما يأخذه المقامر من المال ، و إثمهما في إفساد العقل و الإضرار بالصحة و إحداث الشقاق بين الناس المؤدي إلى تفريق كلمة المسلمين ، و لا شك أن هذا الإثم أكبر من ذلك النفع ، فوجب درء مفسدة الإثم على جلب مصلحة النفع قال رشيد رضا في تفسيره : المنار" تعليقا على هذه الآية " قوله تعالى : إثمهما أكبر من نفعهما " في هذا القول إرشاد للمؤمنين إلى طريق الاستدلال ،فكان عليهم أن يهتدوا منه إلى القاعدتين اللتين تقررتا بعد في الإسلام " قاعدة درء المفاسد مقدمة على جلب المصالح"و"قاعدة ترجيح ارتكاب أخف الضررين إذا كان لابد من أحدهما ..."

ب/ من أدلـة القـاعدة مـن الـسنة :

كما يستدل هذه القاعدة بما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه و سلم : "دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم و اختلافهم على ا،بيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، و إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم "
نقل الحافظ بن حجر عن النووي قوله : هذا من جوامع الكلم و قواعد الإسلام  و يدخل فيه كثير من الحكام ، و استدل به على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات ، لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات و لو مع المشقة في الترك ، و قيد في المأمورات بقدر الطاقة"
 و لأن المفاسد سريانا و توسعا كالحريق و الوباء ، فمن الحكمة و الحزم القضاء عليها في مهدها و لو ترتب على ذلك حرمان من منافع أو تأخرها ، فإذا كان الشيء أو العمل محاذير تستلزم منعه ، و دوافع تقتضي تسويغه يرجح منعه ، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .

من فروع هذه القاعدة أثرها على فقه المقاصد:
و مما تفرع عن هذه القاعدة من فروع :
1-أنه يجب منع التجارة بالمحرمات من خمر و مخدرات ، و لو أن فيها أرباحا و منافع اقتصادية كبيرة .
2-و يمنع مالك الدار من فتح نافذة تطل على مقر نساء جاره و لو كان له فيها منفعة ، و هذا يتمشى مع مقاصد التشريع في حفظ العرض .
3-و يمنع أيضا كل جار يتصرف في ملكه تصرفا يضر بجيرانه كاتخاذ معصرة أو فرن يؤذيان الجيران بالرائحة أو الدخان.
4-و كذا لو اتخذ بجانب جاره كنيفا أو بالوعة أو ملقى قمامات يضر بالجار ، فلصاحب الجار أن يكلفه إزالة الضرر ، و عن كان لمحدثه منفعة في إبقائه ، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح .

 و الأمثلة كثيرة و نكتفي بهذا المقدار .

 

الرجوع