عرف عن ملوك الدولة العلوية العناية بالتعليم الإسلامي، وبتنشئة أبنائهم الأمراء في مراكزه، بل زاحم كثير من ملوك هذه الدولة العلماء في ميادين العلم، بتدريسه والتأليف فيه وعقد مجالسه، فما كاد المولى الرشيد ينتهي من توحيد المغرب وتوطيد أركان دولته، والقضاء على الفتن الداخلية حتى بادر إلى إنشاء المدارس العلمية، إنشاء خزائن الكتب، وحضور مجالس العلماء، ومناقشتهم في المسائل العلمية، وكان يحضر بالخصوص في مجلس الشيخ أبي علي اليوسي الذي كان يعقده في رحاب جامعة القرويين، ومن مآثره العلمية التي بقيت بفاس مدرسة الشراطين التابعة لجامعة القرويين، وقد أسسها لدراسة العلم وسكنى الطلبة، وجعلها ثلاث طبقات تشتمل على مائتي واثنين وثلاثين بيتا وقبة للصلاة.
وفي عهد المولى إسماعيل (1082هـ-1139) نشطت جامعة القرويين في أداء رسالتها المعتادة، ومولاي إسماعيل يحب العلماء ويكرمهم، ولا أدل على ذلك من وجدود عدد من كبار العلماء في عهده فيذكر المؤرخون عنه أنه أقام حفلا تكريميا عظيما للإمام القاضي أبي عبد الله المجاصي لما ختم تفسير القرآن، واستدعى العلماء إلى هذا المجلس، ومن جملة من حضر الإمام أبو عبد الله اليوسي، وبعد الفراغ من إلقاء الختم أكرم ضيوفه العلماء بما لذ وطاب وتولى خدمتهم بنفسه، وذلك سنة 1099هـ كما تولى توزيع الجوائز عليهم بنفسه.
وفي عهد الملك سيدي محمد بن عبد الله (1171هـ-1204هـ) شهد عهده أول محاولة إصلاح جدري لمناهج التعليم بالمغرب عموما وجامعة القرويين خصوصا، فقد أصدر ظهيرا بهذا الشأن مؤرخ ب1203هـ. مكون من عدة فصول خصص الفصل الثالث للمدرسين والعلوم التي تدرس ومما جاء فيه "الفصل الثالث في المدرسين في مساجد فاس":
"فإنا نأمركم ألا تدرسوا إلا كتاب الله بتفسيره، وكتاب دلائل الخيرات في الصلاة على رسول الله ومن كتاب الحديث المساند، والكتب المستخرجة منها، والبخاري ومسلم من الكتب الصحاح، ومن كتب الفقه: البيان والتحصيل ومقدمة ابن رشد، والجواهر لابن شاس، والنوادر والرسالة لابن أبي زيد وغير ذلك من كتب الأقدمين، ومن أراد تدريس مختصر خليل فإنما يدرسه بشرح بهرام الكبير، والواقف والخطاب، والشيخ علي الأجهوري والخرشي الكبير لا غير، فهذه الشروح الخمسة بها يدرس خليل مقصورا عليها وفيها كفاية، وما عداها من الشراح كلها ينبذ ولا يدرس به ومن ترك الشراح المذكورة، واشتغل بالزرقاني وأمثاله يكون كمن أهرق الماء واتبع السراب، وكذلك قراءة سيرة المصطفى كالكلاعي وابن سيد الناس اليعمري، وكذا كتب النحو كالتسهيل والألفية وغيرهما من كتب هذا الفن، والبيان بالإيضاح والمطول، وكتب التصريف وديوان الشعراء الستة ومقامات الحريري، والقاموس ولسان العرب وأمثالها مما يعين على فهم كلام العرب، لأنها وسيلة إلى فهم كتاب الله عنه كافية شافية يستغني بها جميع المسلمين.
وكذلك الفقهاء الذين يقرءون الاسطرلاب وعلم الحساب فيأخذون حظهم من الأحباس لما في تلك العلوم من المنفعة العظيمة، والفائدة الكبيرة لأوقات الصلاة والميراث وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله.
ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة، وكتب غلاة الصوفية وكتب القصص فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون من تعاطى ما ذكر في المساجد، ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه، وهؤلاء الطلبة الذين يتعاطون العلوم التي نهينا عن قراءتها ما مرادهم بتعاطيها إلا الظهور والرياء والسمعة، وأن يضلوا طلبة البادية فإنهم يأتون من بلدهم بنية خالصة في التفقه في الدين وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها يظنون أنهم يحصلون على فائدة عظيمة بها، فيكون ذلك سببا في ضلالهم".
قال ابن زيدان في الدرر الفاخرة معلقا على هذا الظهير، وهذا الملك هو أول من وضع أول حجرة في إصلاح الدروس في جامعة القرويين فيما أعلم.
وفي عهد مولاي سليمان (1206هـ-1238) الذي ورث السلفية وحب العلم عن أبيه محمد بن عبد الله استمرت جامعة القرويين في أداء رسالتها العلمية وخصوصا علم الفقه المالكي، فقد شجع رحمه الله المدرسين على الاشتغال بعلم الفقه مطبقا قول الشاعر:
إذا ما اعتز ذو علم بعلم *** فعلم الفقه أشرف باعتزاز
قال الناصري في الاستقصا: "ولما أفضى الأمر إلى السلطان العادل المولى سليمان رحمه الله، صار يحض على التمسك بالمختصر، ويبذل على حفظه وتعاطيه الأموال الطائلة والكل مأجور على نيته وقصده، وإلى عهده ترجع العادة المتبعة في تجزئة مختصر خليل إلى ثلاثين جزءا يتلى في جامعة القرويين بعد العصر في كل يوم جزء كما تتلى الأحزاب القرآنية بعد المغرب وبعد صلاة الصبح.
ولما أفضى الأمر إلى مولاي عبد الرحمن بن هشام (1238هـ-1276هـ) وقع الاعتناء من طرفه بجامعة القرويين، يدل لذلك هذا الظهير الشريف الذي أصدره إلى قاضي فاس مولاي عبد الهادي والمؤرخ ب12 محرم 1261هـ.
ونقتبس منه ما يلي: "وبعد، فقد بلغنا توافر طلبة العلم على الادة، وجدهم في طلب العلم غير أنه قل التحصيل والإفادة، وذلك لمخالفة الفقهاء في إقراءهم عادة الشيوخ، وإعراضهم عما ينتج التحصيل والرسوخ، فإن الفقيه يبقى في سلكة الشيخ خليل نحو عشر سنين، وفي الألفية نحو العامين لكثرة ما يجلب من الأقوال الشاذة والمعاني الغريبة، وكثرة التشغيب بالاعتراضات وردها ومناقشة الألفاظ وعدها، ويخلط على المتعلم حتى لا يدري الصحيح من السقيم..." إلى أن قال :" فبوصول كتابنا إليك أجمع المدرسين وأٍشدهم إلى ما فيه المصلحة العامة، والإفادة التامة وهو الاقتصار على حل ألفاظ المؤلفين، وإفهامها للسامعين المتعلمين مع التنبيه على ما فيها من خطأ، وتحريف من غير هدر ولا تشغيب بترداد اعتراضات وطرر، إذ المقصود حصول الفهم والافادة ".
ثم ختم الظهير المذكور بقوله: "فينبغي حمل الطلبة على الأليق بحالهم من الدؤوب والاطالة، ومواصلة الطلب وترك البطالة".
قال ابن زيدان معلقا على هذا الظهير: ومولاي عبد الرحمن هو ثاني الملوك المؤسسين لنظام التدريس بجامعة القرويين في الجملة، يعني سيدي محمد بن عبد الله وحفيده مولاي عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله.
وفي عهد أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن (1276هـ-1290هـ) كان الاهتمام من طرفه بالتعليم الجامعي بصفة عامة، وشعر بحاجة المغرب إلى أطر متخصصة، فتوجهت أولى البعثات العلمية إلى الخارج: أوربا ومصر لتلقي العلوم الرياضية والطبية ولو لم يكن من اهتمامه بالتعليم بجامعة القرويين إلا توفير المراجع والكتب المدرسية وذلك بطبع عدد وافر من كتب الدراسات الفقهية والنحوية والعلمية مثل شرح التاودي على العاصمية، وشرح الشيخ ميارة عليها، وشرح الخرشي الصغير، وشرح الأزهري على الآجرومية لكان كافيا في إبراز اهتمامه بجامعة القرويين في تلك الفترة.
قال ابن زيدان: "إن مولاي محمد بن عبد الرحمن حبس كمية كبيرة من هذه المطبوعات على خزانة القرويين، ومن اهتمامه بهذه الخزانة أنه أصدر أمره بكتابة الجزء الأول المفقود من نسخة صحيح البخاري المعروفة "بالشيخة" لكثرة ما صحح عليها من النسخ في الغرب الإسلامي، وهذه النسخة كتبها أبو عمران موسى بن سعادة (522ه) وقرأها على شيخه الصدفي ستين مرة وظهيره الصادر في هذا الشأن ن مع نص الوثيقة العدلية مثبت بالورقة الأولى من هذا الجزء المكتوب بتاريخ 1288ه . ويوجد بالمكتبة العامة بالرباط تحت رقم: 1332د.
وهكذا تتابعت الإصلاحات والتنظيمات المفيدة من طرف ملوك هذه الدولة الذين يعد جلهم علماء من خريجي هذه الجامعة التي نتحدث عنها، فلا تخلو ترجمة كل واحد منهم من إضافة شيء جديد ومفيد، وقد توجت هذه الإصلاحات بما قام به المجاهد أمير المؤمنين محمد الخامس طيب الله ثراه (1346ه-1381ه) من إدخال النظام الجديد على التعليم بجامعة القرويين مستنقذا لها بذلك من براثن الضياع الذي كان ينتظره لها الاستعمار الغاشم بفارغ الصبر، وها هي اليوم في ظل وريث سر محمد الخامس ورفيقه في الكفاح أمير المؤمنين الحسن الثاني (رحمه الله) وقد أصبحت جامعة مكتملة تشتمل على كليتين للشريعة بفاس وآكدير، وكلية أصول الدين بتطوان وكلية اللغة العربية بمراكش.
وبعد صدور الظهير الشريف رقم: 102/75.1 الصادر في 13 صفر 1395 هـ (25 يبراير 1975) المتعلق بتنظيم الجامعات أصبحت هذه الجامعة تنافس مثيلاتها من الجامعات المغربية العصرية تنافسا شريفا، وتسير سيرا حثيثا نحو المجد الشامخ والغد الأفضل...
عن مجلة رئاسة جامعة القرويين العدد الأول 1409هـ/1989