إلا أن فتاوى فقهاء المالكية بالمغرب لا تؤيد هذا الرأي ، فهي تشير إلى وجود أعراف بحرية لدى أهله ، و فقد ورد في كتاب أكرية السفن في إطار مسألة تخص أجرة النواتية أن "العرف عندنا يقوم مقام الشرط و أكثر منه " و عندما سئل بعض "القرويين" عن "تنزيل السلعة من المركب عند بلوغ السفن ، هل هو على النوتي كالوسق أو على التجار ؟ أجاب بما يلي :"و العادة أنه على التجار أجرة لوصول متاعهم للمركب و خروجه " ، كما أجاب بإمكانية استعمال " عرف أرباب المراكب" في هذا الشأن .
و رغم هذا ، يبدو أن استعمال القياس في كتب الفقه كان أكثر تواثرا فيما يخص شؤون البحر .فقد استعمله مالك و تلاميذه من المصريين و توسع فيه علماء المالكية الأفارقة ، فالمركب يقاس على الدابة مثلا في المسائل التي تخص كرائهما .قاس المالكية أيضا شهادة التجار بعضهم لبعض على دفع الكراء لصاحب السفينة فأرجعتهم الرياح ، على شهادة من يقطع عليهم الطريق فيشهد بعضهم لبعض .كما قاس سحنون سؤال قاضي طرابلس حول السفينة التي عطبت في الطريق على "مسألة مالك في الجعل في البئر لما حفر بعضه و تركه".
إلا أن التوغل في القياس يؤدي أحيانا إلى الشذوذ ، مما يوجب إدخال شيء من المرونة عليه ، فيفضي ذلك إلى ما يقابل الاستحسان ، فمالك مثلا يميز بين الدابة و السفينة في مسألة الضمان عند نقل البضاعة ، فالدابة يذعرها راكبها أو غيره، بينما السفينة ، لا يذعرها من عليها و لا يذعرها شيء ، و لكن الريح تغلب عليها ، و عندما ذهب ابن نافع إلى أن قيمة كراء السفينة تكون بقدر المسافة المقطوعة دون اعتبار للبلاغ ، فقد جعل "حكم السفينة حكم البر " و هو قياس رفضه مالك و مثل عنصر اختلاف بين علماء إفريقية .و عندما جعل يحيى بن عمر تسمية البلد كتسمية الأجل في بيع السلم م عارضه فضل بن سلمة (ت319ه/931ه) بوجوب التمييز بين الطريق البرية و الطريق البحرية 3 لأن المسير على البحر لا أجل له يعرف ، بخلاف المسير في البر ، يؤيد هذا ما ذكره أبو عمران في إحدى فتاويه من أن البحر كثيف التقلب ، و كثيرا ما يجري فيه العدول عن الطريق.
إلا أن أطرف مثال لقياس ، قدمه أبو الحسن القابسي ، فقد سئل عن تعدي تجار المنستير الذين يشترون كل الأسماك من الصيادين ليتاجروا بها في مدن أخرى ، و لا يبقى للمرابطين منها شيء ن فهل لهم ان يمنعوا من ذلك ؟
فكان من جملة ما أجاب به ، ما التصيد عندي في بحرها إلا كالاحتشاش و الاحتطاب من شعاريها لا يسع منه الانتفاع لغير من بها ، إلا بما لا يضرر عليهم فيه و لا منفعة لهم في تركه . بعبارة أخرى أن بحر المنستير هو حبس على المرابطين بها مثل الغابات المحبسة عليهم .
و يختلف المرابطون عن الفقهاء في بعض الجوانب ، فأولئك يميلون إلى التفرغ للعبادة ، و الانقباض عن الناس و الزهد في شؤون الدنيا ، بينما يحاول الفقهاء عموما التوفيق بين دينهم و دنياهم .
إن صح هذا كيف واجه المرابطون أو الزهاد بصفة أعم المسائل المتعلقة بالبحر ؟
الـــزهـــاد و شـــــؤون الـبحـر : يتبع