مجلة رواق المذهب المالكي مارس 2014

من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ما زال الجدل مثارا موصولا حول قصور المالكية في علم الأصول ، و نزارة إنتاجهم فيه ، و لا أظن أن لهذا الجدل نهاية تطوى بساطه ، ما لم يعن الباحثون المعاصرون بدحض هذه الفرية و الرد على مروجيها بالحجة الدامغة و البرهان المنير لا حبا في المذهب وروما لنصرته من طريق التعصب و الهوى ، و إنما إظهارا للحق ، و ردا للأمور إلى نصابها

و إن عجبت فاعجب أن أول الطاعنين على المدرسة المالكية بضعف البضاعة الأصولية هم المالكية أنفسهم ، إذ ثبتت عن المقري و ابن خلدون ،و ابن رشد الحفيد ، نقول تروج لهذا الزعم ، و تغمط المالكية حقهم في صياغة منهج أصولي متميز على نحو ما استقام للمدرستين الشافعية و الحنفية .إلا أن هذه النقول –على ثبوتها- تصطبغ بصبغة الإجمال و الإبهام ، مما يجعل صيغتها فضفاضة و حمالة لأوجه.
و لسنا هنا بصدد الرد على المزاعم و إثبات نقيضها ، فقد تولى ذلك نفر من الباحثين فأحسنوا صنعا ، و ما زال الباب مفتوحا على مصراعيه لمزيد من الردود المعززة ببراهين العلم و الواقع ، و إنما قصدنا بيان المسالك التي تفضي إلى إبراز عطاء المدرسة المالكية الأصولية ، و إحلالها المحل الذي يليق بمثلها بين أخواتها و نظرائها ، فيرد إليها حقها المغموط ، و يذكر لها فضلها المنسي .و يمكن إجمال هذه المسالك فيما يلي :

1-تأليف معجم للأصوليين المالكية ، يعنى برصد سيرهم ، و مناقبهم و آثارهم الأصولية .
2-تأليف معجم للمدونات الأصولية المالكية المطبوعة و المخطوطة ، و لا يقتصر فيه على الرصد البيبليوغرافي الوصفي ، و إنما توجه العناية إلى تقييم الإسهام الأصولي في هذه المدونات ، و بيان وجوه التجديد فيها .
3-تأليف معجم للمصطلحات الأصولية عند المالكية ، و هذا العمل المعجمي ذو فائدة محققة في الكشف عن التميز الأصولي المالكي ، ذلك أن اختيارات المالكية في الأصول تبدو جلية واضحة في باب الاصطلاح ، باعتبار أن التعاريف و الحدود أول باب للتأصيل و التأسيس.
4-التعريف بالمخطوطات الأصولية المالكية ، و الإنكباب على نشرها و تحقيقها و درسها وفق الأصول العلمية المرعية ، و لعل ثروة أصولية نفيسة ما زالت حبيسة الظلمة ، رهينة الرف ، و الكشف عنها يعين على استيفاء البحث في تاريخ الفكر الأصولي المالكي ، و من تم تقييم حصيلته على نحو من الدقة و الإحكام .
5-إنجاز دراسات علمية تعنى بالجوانب الآتية :
أ/ جمع الاختيارات الأصولية للمالكية كتفصيلهم المعروف في مراتب المندوب ودرجات الواجب و غيرهما ، و هي اختيارات تعكس على نحو من الوضوح و الجلاء الوجه الأصيل للمدرسة الأصولية المالكية.
ب/إفراد كل أصولي مالكي بدراسة مستقلة برأسها تسبر غور نتاجه ، و تجلي أثره في الدرس الأصولي عموما ، و إثراءه المنهج الأصولي المالكي على وجه الخصوص .
ج/ إبراز خصائص المدرسة المالكية الأصولية كالاقتصاد في الصناعة ، و الاعتناء بالجانب العملي ، و الإبداع في التأصيل و التنظير ، و لا شك أن هذا المنحى في البحث يقود إلى استجلاء الإسهام الحقيقي و الثري للمالكية في الدرس الأصولي .
د/ الإحاطة بشتى عصور الدرس الأصولي المالكي و مراحله المتعاقبة بدءا من طور التأسيس ، و مرورا بطور الإبداع ن و انتهاء إلى طور الجمود و الركود.
ه/استجلاء وجوه التأثير المالكي في الدرس الأصولي ، ذلك أن كثيرا من الأصوليين الشافعية ، كانوا عالة على بعض المالكية في التأصيل و التقعيد ، و لاسيما الأصولي النظار الفذ أبا بكر الباقلاني الذي احتفي به احتفاء بالغا بالنقل عنه ، و الإفادة منه ، و محاكاة طريقته في التصنيف.
و/إفراد المدارس الأصولية المالكية بالتأليف كالمدرسة العراقية ، و المدرسة المغربية ، و المدرسة الأندلسية ، و قد كان لهذه المدارس يد صالحة في إثراء الدرس الأصولي ، و تجديد منازعه ، و صياغة مدوناته ، و هي إن دلت على شيء ، فإنما تدل على تنوع العطاء الأصولي المالكي ، و تعدد مناهجه في البحث و التأصيل لا سيما إذا لاحظنا أن كل مدرسة تستقل بمشربها الخاص ، و تتأثر بظروف منبتها الأصلي .  
ز/العناية بكتب المالكية في الردود على المخالفين في الأصول و الفروع ، و هي عن أغرقت في مسائل الخلاف ، و مسالك الحجاج  إلا أنها تنطوي على مبادئ أصولية ن و مناقشات استدلالية ، و ضوابط لغوية تعكس الاحتفاء المبكر بأصول الاستنباط  و يمكن عدها الخميرة الأساس للمادة الأصولية المالكية.
إن الملكية واكبوا الدرس الأصولي بهمة لا يعتريها الفتور ، و كانوا منه بمحل الصدر لا الذيل ، و دونك كتاب " الموافقات " الشاطبي الذي ملأ الدنيا و شغل الناس بنظريته المقاصدية ، فكان بحق سباقا إلى تذوق أسرار الأحكام ، و اكتناه فلسفة التشريع ، و لو أن ديار المالكية لم تنجب إلا الشاطبي لكفاها فخرا و عوضها خيرا عن كل نقص في النتاج و العطاء ، بل إنه يحق لها أن تفاخر به شتى المدارس الأصولية ، و تنسب له الحظ الأوفر من الإبداع و الإمتاع.