مجلة رواق المذهب المالكي مارس 2014

من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

رغم الاتجاه التصاعدي في منحنى انتشار المذهب المالكي بالمغرب الأقصى منذ مطــلع القرن الثاني الهجـري (8 م)، فقد ظل هذا الانتشار يتسم بالقلة والمحدودية حتى عتبة القرن الخامس الهجري (11 م) حيث عرف آنذاك صحوة متميزة شكلت ظاهرة هذا القرن، مما يستدعي تفسير هذه الصحوة وأبعادها والعوامل المحركة لها.
يستلزم التحليل – فيما نرى - معالجة الظاهرة المطروحة للبحث في إطارها الشمولي المتمثل في المد السني الذي اجتاح العالم الإسلامي شرقا وغربا، والوقوف على خلفيتها التاريخية، وربطها بواقعها السوسيو-اقتصادي، لفهمها كظاهرة مهيمنة في تلك الحقبة التاريخية.

المد السني في المشرق الإسلامي خلال ق5
شهد العالم الإسلامي منذ بداية القرن الخامس الهجري تحولات عميقة على جميع المستويات، ومن أهم تلك التحولات، بروز القوى البدوية التي كانت توجد في أطراف المجال الحيوي الإسلامي، وتعيش على نمط الرعي والترحال كالسلاجقة، وهم شعوب كانت تعيش بين بخارى وسمرقند، معتمدة على أسلوب الرعي والترحال، لكنها تمكنت في مطلع هذا القرن من الزحف نحو بغداد قلب الخلافة الإسلامية، وتأسيس نظام سياس-عسكري اعتمد اقتصاده على موارد الحروب والغزوات. وقد تبنت هذه القوى البدوية فكرة الوحدة السياسية، وعملت على تحقيقها بالأسلوب العسكري، لكنها عولت أيضا على الجانب المذهبي، متوخية تحقيق الوحدة المذهبية كأداة لتثبيت نظامها السياسي، لذلك وظفت كل طاقتها القتالية لترسيخ المذهب السني عن طريق القتال والجهاد. ولا سبيل لإنكار العلاقة الوطيدة بين البداوة التي ميزت تلك النظم، وحماسها لنصرة المذهب السني والتوسع خارج الحدود كما فطن إلى ذلك بعض الباحثين. معنى ذلك أن مبدأ الجهاد شكل حجر الزاوية في السياسة السلجوقية، خاصة أنه يرتكز على قاعدة الإجماع ونبذ الخلافات داخل المجتمع من أجل تكريس كل الفعاليات لمواجهة الآخر، سواء كان هذا الآخر ينتمي الى فضاء "دار الحرب" أو من اعتبر مارقا من المسلمين أنفسهم وتم تكفيره، ومن ثم التحريض على جهاده.
إن اكتساح المذهب السني لخارطة العالم الإسلامي في القرن الخامس الهجري لم يكن نتيجة صراع عسكري تقليدي ضد المذهب الشيعي الذي كان بدوره قد اكتسح المجال الإسلامي في القرن الذي سبقه، بل عولت القوى السنية في مقاومتها للتيار الشيعي على أسلوب آخر، يتجلى في إنشاء المدارس النظامية كأداة لتكسير شوكة الشيعة، وإفشال مخططاتهم السياسية. لقد وعى الوزير السلجوقي نظام الملك أن تأسيس مثل تلك المدارس يعد أسلوبا أكثر نجاعة من الأسلوب الحربي لأنه يحقق عن طريق الدعوة ونشر المذهب السني وتكوين أطر من الفقهاء والدعاة ملا لا يستطيع أن يحققه بحد السيف، فضلا عما يرجى من وراء هذه المدارس من إحياء للثقافة السنية، ومن ثم اعتبرت المدرسة النظامية أول مدرسة بنيت لتحقيق مشروع التوسع السني.
وقد خلفت هذه المدارس نتائج من الأهمية بمكان، إذ مكنت من تخريج أطر سنية من المدرسين والدعاة من الطراز الرفيع، وأسفرت بالتالي عن انتصار ساحق للمذهب السني، ممثلا في المدرسة الأشعرية التي دعمها الإمام الغزالي بالمنطق والآراء الفلسفية فضلا عن التصوف.
ولم يقتصر هذا الانتصار السني على العراق فحسب، بل امتدت ظلاله إلى مصر التي ظهر بها أعلام المذهب السني، رغم بطش الحكم الفاطمي. وتقوم شهادة القاضي عياض دليلا على ذلك.
 
الصحوة المالكية بالغرب الإسلامي
في الوقت نفسه، حقق المذهب السني جولة رابحة في إفريقية (تونس)، إذ شكل العقد الرابع من القرن الخامس الهجري، تفوقا بيْنا للمذهب المالكي بعد المحنة الكبيرة التي ألمت به. وفي هذا الصدد يخبرنا ابن أبي دينار أن المعز بن باديس بن منصور "أظهر الدعوة لبني العباس، وورد عليه عهد من الإمام القائم بأمر الله العباسي". وفي سنة 440هـ -1048م "قطع خطبة بني عبيد- وهم شيعة - وقطع بنودهم وأحرقها بالنار".
ويؤكد بعض المؤرخين أنه حمل أهل مملكته على الاشتغال بمذهب مالك، ومحو آثار التشيع الذي كان قد فشل حتى في عهد الوجود الفاطمي في المغرب بدليل حصر الفاطميين الدعوة لمذهبهم بين الخاصة دون العامة.
وانعكست هذه الصحوة المالكية في ميدان التأليف، إذ صنف أحد الفقهاء كتابا في ذم بني عبيد، وتعددت المؤلفات في المذهب المالكي، وظهر نوع من "الشعر السني" الذي هاجم الشيعة، وكال لهم تهم الزندقة والإلحاد.
لذلك خبا نجم التيار الشيعي بإفريقية، وعلا بها شأن المذهب المالكي، حتى أصبحت هي نفسها مندرجة في سياج الاحتواء السني، وهو ما عبر عنه القاضي عياض بقوله: "...إلى أن خرجت القيروان وأهلها وجهاتها وسائر بلاد المغرب مصفقة على هذا المذهب، مجتمعة عليه، لا يعرف لغيره بها قائم".
في غمرة هذا المد السني، بات بديهيا أن يصل تأثيره إلى المغرب والأندلس بفضل التجارة التي شكلت عاملا مهما في تسرب المذهب المالكي نحو هذه المنطقة. ولا غرو فإلقاء نظرة على المدن المغربية التي برز فيها أعلام المذهب، وهي سجلماسة وفاس وأغمات وسبتة، تبين أنها كانت على صلة تجارية وطيدة مع القيروان، وكانت ترتبط معها بطرق تجارية لم ينقطع ورود سلعها حتى أثناء فترات الصراعات السياسية، وهذا ما يفسر بقاء تلمسان – إحدى محطات الطرق التجارية – "دارا للعلماء والمحدثين وحملة الرأي على مذهب مالك بن أنس رحمه الله".
وبالمثل شكلت الرحلات العلمية التي قام بها علماء المغرب والأندلس من أجل التتلمذ على يد شيوخ المدارس النظامية في بغداد رافدا آخر من روافد الصحوة المالكية بالغرب الإسلامي. ففي غمرة هذا الاكتساح السني، شد العلماء المغاربة والأندلسيون الرحال إلى بغداد، نذكر من بينهم أبو علي الصدفي وأبو بكر الطرطوشي وأبو بكر بن العربي، وغيرهم من العلماء الذين وجدوا المدارس النظامية في أوج إشعاعها، فتشبعوا بآرائها، وعادوا لأقطارهم تحدوهم رغبة جامحة في نشر المذهب السني المالكي بكل الوسائل المتاحة.

حصيلة التراكم التاريخي لفترة ما قبل الصحوة
لا يتأتى فهم الصحوة المالكية في المغرب والأندلس خلال القرن الخمس الهجري، دون الرجوع إلى الحقبة التي سبقتها. فمنذ عصر الأدارسة الذي بدأ منذ سنة 172 هـ، أخذ المذهب المالكي في التسرب نحو المغرب. وعلى الرغم من اعتناق الأمير إدريس الأول للمذهب الشيعي الزيدي، لم يحاول فرضه على أهل المغرب، وفضل – بدلا من ذلك - الجهاد للقضاء على جيوب المذاهب الخارجية، وكافة المذاهب ذات الطابع البدعي، أو تلك التي كانت تعتبر من وجهة نظره مارقة وخارجة عن المألوف، وفي مقدمتها المذهب البرغواطي.
وسار ابنه إدريس الثاني على نفس النهج، فلم يدخل معركة خاسرة مع فقهاء المالكية، بل يستشف من بعض النصوص أنه كان متعاطفا معهم. وحسبنا أن عهده شهد تدفق موجة من الفقهاء المالكيين الأندلسيين والقيروايين الذين وفدوا على مدينة فاس، وهي فرصة اهتبلها لاستقطابهم جميعا.
وفي هذه الحقبة أيضا تم إدخال كتاب الموطأ إلى المغرب، فكان لذلك أثره في تعميم المذهب المالكي وذيوعه في أوساط المغاربة، فما كاد القرن الرابع الهجري يشرف على النهاية حتى كانت أصول المذهب وفروعه قد بدأت تترك بصماتها الأولى في مرافق الحياة العامة.
ويخيل إلينا أن موقف الأدارسة المرن من المذهب المالكي جاء إفرازا لروح الانفتاح والتسامح الفكري اللذان ميزا فكر الأدارسة، وما تمخض عن ذلك من تقارب وانفتاح على المذاهب الأخرى. كما جاء بمثابة موقف سياسي ضد الخوارج الذين أنكروا خلافة الأمويين والعباسيين. وبما أن الأندلس كانت تحت حكم الأمويين، والمغرب تحت حكم العلويين الأدارسة، فقد عمل حكام المنطقتين على ترسيخ مذهب مالك نكاية في المذهب الخارجي. كما لا تستبعد أن يكون لموقف الإمام مالك من ثورة محمد النفس الزكية، ووقوفه إلى جانبه، ما دفع الأدارسة إلى العمل بمذهبه.
ولعبت إمارة نكور الواقعة في شمال المغرب دورا بارزا أيضا في الحفاظ على المذهب ورعايته، إذ ظل بنو صالح الحميريين يؤدون رسالتهم في نشره إلى أن قضى على دولتهم موسى بن أبي العافية.
ورغم أن الدويلات الزناتية ساندت الفاطميين بعض الوقت، فإنها والت الخلافة الأندلسية السنية. ونعلم أن القبائل الزناتية قامت بهجرة مكثفة من المغرب الأوسط نحو المغرب الأقصى خلال القرن الرابع الهجري، وهو عامل ساعد على تدعيم المذهب المالكي وترسيخ ركائزه.
كما أن هجرة علماء افريقية المالكيين إلى المغرب في بداية القرن الخامس الهجري بعد الخراب الذي حلْ بالقيروان إثر الغزو الهلالي، ساهم بدوره في ميلاد الصحوة المالكية بالمغرب والأندلس.
ولا شك أن فشل الإيديولوجيات والتيارات المذهبية السابقة، وعدم نجاحها في تأسيس كيانات سياسية كبرى بالمغرب تحظى بقبول شعبي، ساعد على بروز المذهب المالكي وسيادته. فمعلوم أن المذاهب الخارجية وخاصة المذهب الصفري الذي ساد في كل من سجلماسة وبرغواطة ومناطق أخرى، عرف تقوقعا وانكفاءا، وعجز عن تحقيق مشروعه في بناء دولة كبرى، فالدعاة الخارجيون اكتفوا بتأسيس كيانات صغرى انتهت بالتمزق والسقوط في السخائم القبلية والصراعات الطائفية. وبالمثل فإن المذهب الاعتزالي ظل منحصرا بين بعض القبائل مثل أوربة وزناتة ومزاتة إلى أن انصهر مع الدعوة الزيدية الإدريسية. غير أن هذا الوفاق المذهبي انفرط بعد مقتل إدريس الثاني، فتحول إلى حركات انتزاء ذات طابع عنصري، وتكونت تجمعات اعتزالية مستقلة. أما المذهب الحنفي، فكان تواجده منذ دخوله للمغرب الأقصى شاحبا، مقتصرا على النخبة دون العامة، بينما اقتصر المذهب الشيعي على بعض المدن، ولم ينجح في تأسيس دولة مركزية. مما يجعلنا نستخلص أن فراغ الساحة من إيديولوجية مذهبية قوية ساهم في الصحوة التي عرفها المذهب المالكي.

جهود أعلام المذهب المالكي الأوائل
وإذا كانت هده الصحوة تعزى إلى العوامل الآنفة الذكر، فإن ذلك لا يقلل من أهمية جهود أعلام المذهب المالكيين المغاربة الذين مهدوا لها الطريق إبان القرن4هـ.
وتزخر كتب التراجم بذكر رواد فقهاء المالكية من أمثال دراس بن إسماعيل الذي كان حافظا للرأي على مذهب مالك، وقيل أنه أول من أدخل مدونة سحنون إلى فاس، وبه اشتهر مالك بالمغرب، ثم أبو عبد الرحمن بن العجوز، وموسى بن يحي الصديني، وعبد الله بن غالب بن تمام، وأبو علي بن أمدكتو، وأبو محمد عبد الله بن ابراهيم الأصيلي الذي كان من حفاظ مذهب مالك، ومن أعلم الناس بالحديث وأبصرهم بعلله ورجاله، إلى جانب كوكبة من الأعلام المالكيين الذين تتلمذوا على يد أبي زيد القيرواني المعروف "بمالك الصغير"، وساهموا في نشأة مدرسة مالكية في شمال المغرب سرعان ما احتلت مكانة مرموقة في ميدان الدعوة السنية، وخلفت مراكز هامة لنشر المالكية في أهم المدن مثل البصرة وأصيلا وفاس ونكور وسبتة.
بيد أن أهم الأعلام المالكيين الذين أسهموا في الصحوة المالكية دون منازع، الفقيه أبو عمران الفاسي تلميذ شيخ الأشعرية أبا بكر الباقلاني. تخبرنا المصادر أنه درس في الأندلس والعراق على يد كبار شيوخ المالكية، ثم عاد إلى فاس بعد أن رسخ قدمه في المذهب المالكي حتى أن أستاذه شبه علمه بعلم مالك. وأخذ عنه الطلاب من أقطار المغرب "وتخرج به خلق في المذهب، نذكر من بينهم عتيق السوسي ومحمد بن طاهر بن طاوس وجماعة من الفاسيين والسبتيين والأندلسيين، وفي ذلك دليل قاطع على دور شيوخ المذهب في تدعيم المذهب عن طريق تكوين طلبة أكفاء يعملون على نشره وذيوعه.
ومن ألمع الطلبة الذين تخرجوا على يد أبي عمران الفاسي، الفقيه وجاج بن زلو اللمطي الذي لم يقتصر علمه على معرفة أصول المذهب فحسب، بل قام بمشروع هام كان له الأثر الواضح في ذيوع المذهب المالكي بالمغرب، ويتجلى في بنائه مدرسة عرفت "بدار المرابطين"، خصصت لتلقين مبادئ المالكية ومقاومة المذاهب الأخرى، وهي لا تختلف – في الأهداف على الأقل - عن المدارس النظامية التي كانت تحدوها نفس الغاية في المشرق الإسلامي. وشكلت هذه المدرسة نواة الدولة المرابطية، ومنها تخرج فقيه الدولة ومنظرها عبد الله ابن ياسين، وأبو القاسم بن عذرا الجزولي، وأخوه سليمان بن حدو الذي خلف عبد الله ابن ياسين في مهمة الإرشاد الروحي وكلهم سيلعبون دورا أساسيا في نشر المذهب المالكي وتقوية عوده.
وإذا لم يقدر لبعض تلامذة أبي عمران الفاسي القيام بنفس الدور، فحسبهم أنهم شجعوا تدريس المذهب المالكي وتلقينه في حلقاتهم، مصداق ذلك ما رواه ابن عجيبة عن أبي عبد الله محمد بن خطاب (ت 425هـ) الذي حمل معه من إفريقية إلى سبتة كتابا جامعا للمدونة "كان يقرئه في مجلسه حتى كثر عند الناس". ولم يأل بقية الفقهاء جهدا في نشر المالكية، نذكر من بينهم عثمان بن مالك فقيه فاس ( ت444هـ) الذي تفقه على يديه شيوخ المذهب في هذه المدينة، وكذلك الحسن القرشي وحمزة بن يوسف، إلى غير ذلك من الأسماء اللامعة التي يحويها كتاب المدارك.
ومنذ دخول المرابطين للمغرب، تحالف معهم هؤلاء الأعلام والفقهاء المالكيون، مما زاد من توفير الظروف الملائمة للصحوة المالكية.

التفسير البيئي والحضاري
إلى جانب هذا التراكم التاريخي الذي يفسر صحوة المالكية في المغرب والأندلس خلال القرن الخامس الهجري، يمكن تفسير هذه الصحوة بعوامل بيئية وحضارية يأتي في مقدمتها تفسير ابن خلدون، الذي أرجع تشبث المغاربة بالمذهب المالكي إلى البداوة الغالبة عليهم، وملاءمة ظروفهم لبيئة الحجاز البدوية. وذكر في موضع آخر أنهم بعيدون عن الصنائع، لذلك فإن منتهى رحلتهم كانت الحجاز وليس العراق التي تتواجد بها مختلف المذاهب.
نميل إلى الاعتقاد أن التفسير الخلدوني يتضمن حقائق ومآخذ في ذات الوقت، فربطه بين ابتعاد المغاربة عن الصنائع واكتفائهم بالرحلة إلى الحجاز تحمل مغزى عميقا في الربط بين اقتصاد الندرة الذي يعتمد على الموارد الحربية دون الصناعة، وبالتالي قلة الرحلات إلى ما دون الحجاز، لكن تفسيراته تظل مع ذلك غير مقنعة. فعدم الوصول إلى العراق ليس ظاهرة خاصة بالمغرب فحسب، بل تشترك في ذلك كثير من البلدان الإسلامية، ومع ذلك لم نلاحظ نفس النتيجة. كما سبق أن ذكرنا أن بعض العلماء المغاربة والأندلسيين رحلوا إلى العراق مثل أبي بكر بن العربي وأبي علي الصدفي، ونضيف إلى ذلك أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وأبي تمام غالب بن عيسى، وأحمد بن عثمان بن مكحول، ومنهم من وصل حتى الصين مرورا بالعراق، والقائمة تطول.
أما بالنسبة لتشابه البيئة، فنص ابن خلدون يكتنفه بعض الغموض إذ لا نعرف ما إذا كان يقصد بيئة المدينة الزراعية، أم بيئة مكة التجارية، أم مناطق الحجاز الأخرى الريفية القبلية. كما يصعب تمييز معايير التشابه بين هذه البيئة والبيئة المغربية الأندلسية، فقليل من التأمل، يكشف دون شك عن اختلاف بين هذه المناطق، خاصة إذا راعينا الظروف التاريخية التي بلغ فيها التطور الحضاري أوجه في الحجاز.
لكن إذا جردنا مقولة ابن خلدون من هذه المآخذ، نلاحظ أنه فطن إلى كون المذهب المالكي أكثر المذاهب ملاءمة لعقلية المغاربة لسهولته وبساطته، وخصوصا بالنسبة للمرابطين الذين حكموا خلال المرحلة مدار البحث، والذين عرفوا بطابعهم الصحراوي، وميلهم الفطري إلى البساطة في كل شيء.
فالمذهب المالكي لا يعول على استخدام الرأي أو الجدل بقدر ما يعتمد على النص والنقل، وعلى الأثر والرواية، فهو مذهب ملائم لطبيعة المغاربة لأنه عملي أكثر منه نظري، يستند على الواقع، ويأخذ بالعرف والعادة. وأهل المغرب عموما متمسكون بالسنة والجماعة وتجنب البدع كما يذكر أبو بكر ابن العربي الذي عاصر الفترة موضوع الدراسة، ناهيك عن كونهم سئموا الصراعات المذهبية، وهو ما يفسر قول المؤرخ الناصري "...فبعد أن طهرهم الله تعالى من نزعة الخارجية أولا والرافضية ثانيا، أقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة مقلدين للجمهور من السلف رضي الله عنهم". لذلك أصبح شيوع المذهب عندهم عادة وفطرة لا تحتاج إلى دليل.

إعجاب المغاربة بشخصية الإمام مالك وتلامذته
إلى جانب ذلك يفسر انتشار المذهب المالكي في المغرب والأندلس بعوامل ذاتية ترجع إلى شخصية مالك نفسه بما عرف عنه من كريم السجايا، والتعلق الشديد بالسنة والأثر، مما دفع المغاربة إلى الوفود عليه، والانقياد لمذهبه والاقتناع أنه أولى بالإقتداء والإتباع. ولعل شغف المغاربة بالإمام مالك وإخلاصهم لمذهبه ما جعل بعض الدارسين يتبنون النصوص التراثية القديمة في تفسير نفور أهل المغرب من المذاهب الأخرى بكون أئمة المذاهب تتلمذوا على يدي الإمام مالك ثم خرجوا عنه، فعن سبب عزوفهم عن المذهب الشافعي يذكر المقدسي ما يلي: "رأيت أصحاب مالك يبغضون الشافعي قالوا أخذ عن مالك ثم خالفه". أما نفورهم من مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلأنه أخذ بالخبر الضعيف وفضله على القياس حتى أن كثيرا من الفقهاء لم يعدوا أحمد بن حنبل من الفقهاء، وإنما صنفوه في طبقات المحدثين.
ولقد بلغ من تقدير المغاربة ومحبتهم الإمام مالك أن نظموا قصائد تمجد علمه وتثني عليه، إذ مدحه أحدهم بقوله:
إمام الورى في الهدى والسمت مالك وفي الفقه والآثار ما إن يدارك
فآراؤه في الفقه يسطع نورهـــا وتسهل في إيضاحه المسالـك
وبالمقابل، كان الإمام مالك شديد الإعجاب بالطلبة المغاربة لما لمسه فيهم من حسن الاستعداد والجد والحرص على الإتباع، فخصهم بمكانة متميزة، وكان يتتبع أخبارهم أولا بأول، ويراسل بعضهم. وكان يلقب البهلول بن راشد بـ"عابد البلد"، وعرف عبد الله بن عمر بن غائم أيضا بأنه "صاحب مالك بن أنس"، وبلغ من إعجاب مالك بهذا العالم وتقديره له أن عرض عليه ابنته للزواج والإقامة عنده بالمدينة".
ومن مظاهر تكريمه وإجلاله له أنه كان يوسع له في مجلسه ويقعده إلى جانبه، ويطيل الحديث معه إلى درجة أن طلبة العلم الوافدين على إمام دار الهجرة كانوا يضيقون صبرا، فيقولون: "شغله المغربي عنا".
أما عبد الله بن فروخ فكان يسميه مالك "بفقيه المغرب". ولعلّ كثرة الإجلال والتقدير الذي كان يكنّه الإمام مالك لهذا العالم ما جعل أبا العرب يذكر ما يلي: "كان مالك بن أنس رحمه الله يكرمه ويعظمه". كما حظي الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي بمحبة وتقدير الإمام مالك حتى أن تلميذه ابن وهب أكد ذلك بقوله: "ما رأيت مالكا أميل منه إلى أحد كميله إلى ابن أبي حسان". وكان من كثرة تقديره له أنه عندما زاره وهو في طريقه إلى الحج، تلقاه مالك بالسلام وقام إليه، وكان لا يفعل ذلك إلا مع قلة من العلماء الذين يجلهم ويقدرهم. وحسب ما يستشف من رواية صاحب "رياض النفوس"، فإن الإمام مالك صرّح لابن غانم أنه لو علم بقدومه لأتى بنفسه للاطمئنان عليه.
ومما يعكس محبة عالم المدينة لعلماء الأندلس أيضا، ما ذكره ابن الفرضي في ترجمة العالم الأندلسي حفص بن عبد السلام السلمي أنه لزم مالكا بن أنس سبعة أعوام "وكان مالك يدني منزله"، بينما بلغ من شدة إعجابه بأحد علماء قرطبة أن كان يلقبه بالحكيم؛ كما كان معجبا بعالم أندلسي آخر يدعى عبد الرحمن بن عبد الله، فكان يقربه إليه ويكرمه.
ولما توفي الإمام مالك، اتجه المغاربة إلى تلامذته من أمثال ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم، واستمرت الصلات بين أعلام المدرسة المالكية وعلماء المغرب حتى القرن الخامس الهجري حيث كانت صحوة المالكية بالمغرب في هذه الحقبة ثمرة من ثمارها الأساسية.
من ناحية أخرى، لا شك أن أهل المغرب والأندلس كانوا يسمعون عن الفقهاء المالكيين في افريقية، والمحن التي اصطلوا بنارها، وكذلك تعاطفهم مع الفقراء، وتجاوب أحاسيسهم مع مشاعر العامة، فمالوا إليهم، فضلا عن نضالية المذهب وشعبيته والتحامه بقضايا الأمة، وتطوع بعض فقهاء المالكية لنيل الشهادة في ساحة الجهاد.

دور السلطة الحاكمة في الصحوة المالكية
إذا كانت العوامل التي أتينا على ذكرها ساهمت بنسب متفاوتة في صحوة المالكية إبان القرن الخامس الهجري، فيجب ألا نغفل دور الدولة. فالوحدة المذهبية تخدم بالدرجة الأولى الحكام السياسيين، لذلك سعى المرابطون - وهم الذين حكموا خلال الفترة التي تهمنا في هذه الدراسة - إلى جعل المذهب المالكي "محور حركتهم الإصلاحية، وخطا إيديولوجيا أداروا نضالهم ودعوتهم عليه"، واستأسدوا في استئصال شأفة المذاهب الأخرى، ولم يتورعوا عن استخدام القوة أحيانا، وبذلك أصبح المذهب المالكي مرتبطا أشد الارتباط بالدولة، وإحدى مقوماتها الأساسية والروح التي تمنحها المشروعية السياسية.
دعمت الدولة الحاكمة هذا التوجه بإسناد منصب القضاء للفقهاء المالكيين دون غيرهم، وهو ما عبر عنه المؤرخ المراكشي بقوله: "فلم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم الفروع، أعني فروع مذهب مالك". وإلقاء نظرة على أسماء القضاة الذين أسندت إليهم وظيفة القضاء كفيل بتدعيم هذا الرأي. ففي ترجمة عبد الله بن محمد ابن عيسى التادلي، يذكر ابن الآبار أن أباه "كان من حفاظ المذهب المالكي، ومن المشاورين بفاس أيام لمتونة"، وجل أسماء القضاة أو الذين تولوا خطة الشورى تقترن تراجمهم بتبحرهم في المذهب المالكي.
علاوة على إسناد مناصب القضاة للفقهاء المالكيين، ركزت الدولة تشريعها القضائي وفق المذهب المالكي، وشددت على ضرورة الالتزام به نصا وروحا. ففي رسالة بعثها الأمير المرابطي تاشفين بن علي إلى أهل بلنسية بعد استرجاعها سنة 495هـ ورد ما يلي: "واعلموا رحمكم الله أن مدار الفتيا ومجرى الأحكام والشورى في الحضر والبد عن ما اتفق عليه السلف الصالح رحمهم الله من الاقتصار على مذهب إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك ابن أنس رضي الله عنه، فلا عدول لقاض ولا مفت عن مذهبه، ولا يأخذ في تحليل ولا تحريم إلا به، ومن حاد عن رأيه بفتواه ومال إلى الأئمة إلى سواه فقد ركب رأسه واتبع هواه".
وبما أن الدولة المرابطية قامت على أساس دعوة إصلاحية دينية رغم أن عمقها كان ذا بعد اقتصادي، فقد كانت فرصة للتمكين للمذهب المالكي عن طريق محاربة المذاهب الأخرى وكل العلوم التي لا تنسجم مع مذهبهم. ولدينا في هذا الصدد بعض القرائن التي تدعم هذا الرأي. فقد ورد عند ابن الزيات ما يفيد انتهاج الدولة طرق المصادرة الفكرية للتيارات المخالفة لمذهب مالك، بل كانت تصل أحيانا إلى حد النفي والاعتقال لمعتنقي المذاهب المخالفة للمذهب المالكي، ولا غرو فقد أورد ابن عبد الملك في ترجمة فقيه ظاهري أنه "كان فقيها ظاهري المذهب، وهو ممن غرب عن الأندلس واعتقل بمراكش أيام الأمير أبي الحسن علي بن يوسف اللمتوني".
من ناحية أخرى، سعت السلطة الحاكمة إلى تشجيع الدراسات الفقهية المرتبطة بفروع المذهب المالكي، على حساب العلوم الأخرى، وهو ما يزكيه بيتان شعريان أنشدهما الشاعر الأعمى التطيلي معبرا عن هذا التوجه الذي اختارته الدولة بقوله:
فيا دولة الضيم احملي أو تحاملي وقد أصبحت تلك العرى والعرائــك
ويا قام زيد اعرضي أو تعارضي فقد حال من دون المنى "قال مالك"
ودوره أصبح التيار الفلسفي في عداد التيارات الفكرية المحاصرة من قبل السلطة، فرغم تمكن مالك بن وهيب من الفلسفة، فقد كان يتجنب الخوض فيها "لما لحقه من المطالبات في دمه بسببها". كما عانى الفيلسوف ابن باجة من مضايقات السلطة الحاكمة التي حاربته بشتى الوسائل واتهمته بالزندقة، وانتهت حياته باغتيال شنيع، وهو ما يوضح الحصار الذي تعرض له الفكر الفلسفي القائم على النظر والعقل بدل النص والأثر الذي يقوم عليه المذهب المالكي، لذلك لم يكن غريبا أن ينصح أبو الوليد الباجي في وصيته لولديه بما يلي: "وإياكما وقراءة شيء من المنطق وكلام الفلاسفة، فإن ذلك مبني على الكفر والإلحاد والبعد عن الشريعة". ويبدو أن بعض الفقهاء من معتنقي المذاهب الأخرى المخالفة للمذهب المالكي قد اضطروا لهجرة أوطانهم والتوجه نحو المشرق الإسلامي.
ودعمت السلطة جهودها في التمكين للمذهب المالكي بنشره في السودان. فمنذ مرحلة عبد الله بن ياسين، بدأ المذهب يتسرب إلى هذه الآفاق البعيدة حيث تم إرسال الدعاة هناك، فأسلم بعض ملوك السودان، واعتنقوا المذهب المالكي، وعملوا على نشره بين قبائلهم، فضلا عن القبائل الأخرى المجاورة لهم، حتى غلبت التقاليد المالكية بفضل المدارس التي أنشئت هناك.
يتضح مما تقدم أن الدولة لعبت دورا بارزا في الصحوة المالكية التي شهدها المغرب خلال القرن الخامس الهجري بإسناد المناصب الحساسة كالقضاء للفقهاء المالكيين، وجعل المذهب المالكي مصدرا للتشريع، وملاحقة كل المخالفين للمذهب، ثم العمل على نشره في كل المناطق، بما في ذلك الأصقاع البعيدة كالسودان.

الدعاية والترويج للمذهب المالكي عن طريق التدريس والتأليف
إذا جاز استعارة أدبيات اللغة المعاصرة، أمكن القول أن الكتابة والتأليف يلعبان في كل المجتمعات - قديما وحديثا - دورا دعائيا لحزب أو فكرة أو مذهب أو نظام معين، ويعملان على الترويج له حتى يصبح المسيطر والمؤثر في عقلية المجتمع، وهذه القاعدة بعينها تنطبق على الطفرة التي عرفها المذهب المالكي بالمغرب والأندلس خلال القرن الخامس الهجري، فقد كرّس علماء هذه المنطقة جهودهم في التدريس والتأليف والتصنيف، دفاعا عن المذهب المالكي وانتصارا له.
وقبل التعرض لمختلف الطرق والوسائل التي نهجها الفقهاء المالكيون للترويج لمذهبهم خلال القرن الخامس الهجري، تجدر الإشارة إلى ما شهده هذا القرن من بروز وجوه جديدة من الفقهاء الذين عرفوا بعلو كعبهم في الفقه المالكي كالقاضي عياض الذي وصفه أحد المؤرخين بأنه "أحد عظماء المالكية"، وأبو الوليد بن رشد الذي كان رأس المالكية بالأندلس، معروفا بفتاويه وحله الإشكاليات المستعصية عن طريق قواعد التشريع المالكي. وكانت ترد عليه فتاوى القضاة الملتزمين بمذهب مالك قصد الاستشارة أو التأكيد. هذا إلى جانب الفقيهين الشهيرين أبو بكر بن العربي، وابن ورد التميمي اللذان لم يتقدمهما أحد بعد وفاة ابن رشد، ثم عبد الله بن أبي جعفر المرسي الذي "انتهت إليه رئاسة المالكية"، ناهيك عن فطاحل الفقهاء المالكيين الذين تنبو عن ذكرهم هذه الورقة.
صبت جهود هؤلاء الفقهاء في تحقيق الصحوة المالكية عبر قناتين: التدريس والتأليف. ولاغرو فإن تدريس الفقه المالكي كان أهم وسيلة لبلوغ هذا الهدف. وفي هذا الصدد ورد في ترجمة محمد بن سعد بن مجاهد الأنصاري أنه "أنفق عمره في إسماع الحديث وتدريس المذهب المالكي". وأحيانا جمع الفقهاء بين منصبي القضاء والتدريس.
وظلت المدونة أهم الكتب التي تم إلزام الطلبة بدراستها حتى أنها اقترنت أحيانا بتراجم بعض الأعلام، من ذلك ما جاء في سيرة محمد بن عبد الله الخشني (ت540هـ) الذي كان "مبرزا في تدريسه قائما على المدونة"، وكذلك الموطأ الذي وضع ابن رشد شروطا لتدريسه، وبلغ درجة قصوى من الأهمية حتى أن القاضي عياض أورد على لسان ابن مهدي: "لا أعلم من علم الناس بعد القرآن أصح من موطأ مالك" ثم أنشد لنفسه:
إذا ذكرت كتب العلوم فخيرها كتاب الموطأ من تصانيف مالك
ومن أجل تدعيم المذهب، لم يبخل الفقهاء بأدنى جهد في تأليف الكتب التي تروج له. وحسبنا ما خلفه القاضي عياض من مصنفات كثيرة يتصدرها كتابه الذائع الصيت "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" و"تفسير غريب الموطأ والبخاري".
وفي نفس المنحى ألّف الفقيه أبو بكر بن العربي كتاب " الردّ على من خالف أهل السنّة من ذوي البدع والإلحاد "، تعرّض فيه بالطعن للتيارات المخالفة للمذهب السنّي، فضلا عن كتاب "العواصم من القواصم" الذي دافع فيه عن المذهب المالكي، وهاجم فيه المذهب الشيعي في مسألة الخلافة، والمذهب الاعتزالي في مسألة خلق القرآن. أما الفقيه المالكي ابن رشد، فقد استقال من منصب القضاء بهدف إيجاد الوقت الكافي، والتفرغ لتأليف كتابه "البيان والتحصيل" الذي يعتبر عمدة المؤلفات المالكية.
ويلاحظ أن الخطاب الذي كانت تحمله هذه المصنفات تبلور في ثلاثة نماذج:
1- النموذج التحصيني: وهو النموذج الذي كان يروم تحصين المذهب المالكي ومقاومة ما تزعمه المذاهب الأخرى من افتراءات حوله، والسعي إلى الدفاع عنه وإظهاره بالمظهر الصحيح. وفي هذا السياق يذكر المقّري أن أبا بكر بن طلحة ألّف كتابا تحت عنوان: " سيف الإسلام على مذهب مالك الإمام " ، وهو كتاب لا نعرف مضمونه بسبب طي الزمان له، لكن من خلال ما يوحي به عنوانه، وكذلك من خلال إشارة المقّري السالف الذكر، نستشف أن جزءا منه خصص لانتقاد ابن حزم ومذهبه الظاهري، وتفنيد مزاعمه وتقوّلاته على الأشاعرة والمذهب السنّي عموما.
كما انبرى عالم أندلسي آخر، يدعى محمد بن حيدرة بن مفوّز المعافري (ت505هـ) للذبّ عن المذهب المالكي عن طريق دحض حجج خصومه الظاهريين، وفي طليعتهم ابن حزم. وللأسف فإنه لم يصلنا من هذا الكتاب سوى شذرات وردت في متون بعض المصادر.
2 – النموذج الهجومي: وهو الذي اتّسم خطابه بالحدّة، وطغيان نبرة الانتقاد اللاذع للمذاهب المخالفة والطّعن فيها. ويجسّد كتاب " العواصم من القواصم " هذا الاتجاه، ولا غرو فقد هاجم فيه مؤلفه أبو بكر بن العربي بشدة الفكرين الشيعي والاعتزالي معا. وبدوره، أفتى ابن رشد الجد ( ت عام 520 هـ ) بعدم الأخذ بشهادة أهل المذهب الظاهري. وعلى غرار ابن رشد، هاجم الفقيه المالكي ابن الحاج (ت عام 529هـ) المذهب الاعتزالي، متّهما المعتزلة بالرأي الفاسد والمعتقد الباطل، واصفا كل فكر غير سنّي بالزندقة.
بيد أن كتاب "العواصم من القواصم" السالف الذكر يعدّ أكثر الكتب التي اتخذت المنحى الهجومي ضد المذاهب والتيارات المخالفة للمذهب المالكي، خاصة أهل الظاهر وزعيمهم ابن حزم الذي كان خصما عنيدا لفقهاء المالكية، حتى أن المؤرخ عبد الواحد المراكشي اعتبر أن ما حقّقه الزعيم الظاهري من شهرة جاء نتيجة "لمخالفته مذهب مالك بالمغرب". ففي سياق المساجلات التي يتضمنها هذا الكتاب، يذكر مؤلفه أبو بكر بن العربي ما يلي: "فلما عدت – إلى الأندلس قادما من المشرق – وجدت القول بالظاهر قد ملأ المغرب بسخيف كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم... زعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، وينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول على العلماء ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب عنهم وتشنيعا عليهم، وخرج عن طريق الشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء بطوامّ قد بيّنتها في رسالة الغرّة".
والمتأمل في كلام أبي بكر بن العربي، لا يجد عناء في إثبات حدة الصيغة الهجومية التي اتسم بها خطابه، وهي الصيغة التي تعكسها بعض المصطلحات أو المعاني القدحية التي وظفها للتصدي لابن حزم ومدرسته الظاهرية، ووضع صاحبها في قفص الاتهام مثل نعته بالسخافة، وأنه من أهل البادية، ووصف أقواله بالمزاعم والادعاءات، والتدليس وتزوير حقائق الأمور، والتقوّل على علماء السنّة، والخروج عن طريق الشبهة، ناهيك عن وصف فكره بالطامة الكبرى وأم الدواهي.
ومن الأكيد أن كتاب "العواصم من القواصم" لم يكن الكتاب الوحيد الذي تصدى فيه العالم المالكي أبو بكر بن العربي للمذهب الظاهري وفضح عوراته، بل ثمة كتب أخرى سار فيها على نفس النهج، مثل كتاب "الغرة في الرد على كتاب الدرة"، وكتاب "النواهي عن الدواهي" الذي لخّصه وأدمجه في "العواصم من القواصم". ومن خلاله انتقاده لعلماء المذهب الظاهري يتضح أنه وقف على هفواتهم العلمية مثل افتقارهم إلى الأدلة التي يحتجون بها على أقوالهم، لذلك أوصى بعدم اعتماد آرائهم، ونصح الناس بأن "يطالبوهم بالدليل، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغّب عليك، وإذا دعوته إلى الاستدلال لم يجد إليه سبيلا"؛ كما أنكر عليهم ما يزعمون من إجماع "ولا إجماع عندهم إلا للصحابة خاصة".
نفس الهجوم والانتقاد اللاذع شنّه أبو بكر بن العربي على أهل الظاهر وزعيمهم ابن حزم في كتاب "عارضة الأحوذي"، نقتطف منه هذا النص الذي يعكس هذا المنحى الهجومي: "فمالوا إليه وغرّهم رجل كان عندنا يقال له ابن حزم انتدب لإبطال النظر، وسدّ سبل العبر، ونسب نفسه إلى الظاهر اقتداءا بداود وأتباعه، فسوّد القراطيس، وأفسد النفوس، واعتمد الردّ على الحق نظما ونثرا، فلم يعدم كيدا وعثرا". ولم يكتف الفقيه المالكي المذكور بالانتقاد الهجومي عن طريق التأليف نثرا، بل أبدعت قريحته الشعرية مجموعة من الأبيات الشعرية التي وظّفها في مهاجمة خصوم المذهب المالكي، وأهل الظاهر على الخصوص، ومما نظمه في هذا الموضوع:
قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا عنها العدول إلى رأي ولا نظر
قلت اخسأوا فمقام الدين ليس لكم هذي العظائم فاستحيوا من الوتر
نفس الهجوم طال أنصار المذهب الصوفي، وعلى رأسهم حجّة الإسلام، الإمام الغزالي وكتابه إحياء علوم الدين الذي ألصق به بعض فقهاء المالكية تهمة البدعة والخروج عن تعاليم السنّة، فانبروا للردّ عليه عبر مجموعة من المصنفات لدحض آرائه، وإضعاف حججه، نذكر من بينها كتاب "النكت والأمالي في الرد على كتاب الغزالي". وفي نفس المنحى، ألف القاضي ابن حمدين قاضي قرطبة زمن المرابطين كتابا في الردّ على حجّة الإسلام أيضا. ويذكر ياقوت الحموي أن الفقيه الأندلسي أبا حفص محمد بن ابراهيم البكري (ت 505هـ) كان مولعا بالرد على أبي حامد الغزالي ونقض كلامه.
وقد بلغ المنحى الهجومي ذروته بتحريض بعض الفقهاء المالكيين على مصادرة وإحراق كتب المخالفين للمذهب المالكي، ونسوق بهذا الخصوص نموذج كتاب "إحياء علوم الدين" السالف الذكر، إذ طعن فيه بعض علماء المذهب المالكي، واعتبروه - بسبب الشحنة التصوفية التي يختزنها - خروجا عن السنّة، بل كفروا كل من قرأ هذا الكتاب. وقد تزعم هذا الاتجاه فقهاء قرطبة الذين أفلحوا في إقناع الأمير المرابطي علي بن يوسف بحرقه، فأمر بذلك "فأحرق في رحبة مسجدها على الباب الغربي على هيئته بجلوده بعد إشباعه زيتا". كما تم إحراقه بمدينة مراكش في رحبة الباب الغربي من المسجد الجامع. وبعد الحرق في العاصمة المرابطية، صدرت الأوامر بإحراقه في جميع الولايات، وتوالت هذه العملية مدة سنة كاملة.
وتجمع المصادر أن الفقهاء المالكيين بالأندلس على الخصوص، وفي مقدمتهم ابن حمدين كانوا وراء هذا الحدث الذي اعتبروه "حربا استباقية"، إذا جاز استعمال هذا التعبير، لأن التيار الصوفي كان قد بدأ في اكتساح مجتمع الغرب الإسلامي، ولذلك أقنعوا الأمير المرابطي تاشفين بن علي (537 – 539 هـ) باعتبار الكتاب المذكور بدعة وجب محاربتها، وهو ما تعكسه رسالته التي بعثها إلى أهل بلنسية بتاريخ العاشر من جمادى الأولى من عام 538هـ، ومما جاء فيها: "ومتى عثرتم على كتاب بدعة أو صاحب بدعة، وخاصة وفّقكم الله كتب أبي حامد الغزالي، فليتبع أثرها، وليقطع بالحرق المتتابع خبرها، ويبحث عليها، وتغلّظ الأيمان على من يتّهم بكتمانها".
يتبين من هذه الوثيقة أن الفقهاء المالكيين في الأندلس نجحوا في إقناع السلطة المرابطية باتخاذ قرارها بإحراق أي كتاب يخالف المذهب المالكي، خاصة إذا كان من قبيل الكتب التي تلصق بها تهمة البدعة كما هو الشأن بالنسبة لكتاب إحياء علوم الدين.
3 - النموذج التعليمي –الدعائي: وهو الذي كان يسعى إلى تلقين الجمهور مبادئ المذهب المالكي، ويعمل في الوقت ذاته على الترويج له عبر التأليف المسهب والمطوّل، وحسبنا أن الفقيه المالكي عبد الله بن أيوب الأنصاري ألف كتابا أسماه "المنوطة على مذهب مالك بن أنس" في ثمانية أسفار، بينما ألف علي بن محمد الغساني كتابا في شرح الموطأ سماه "نهج المسالك للتفقه على مذهب مالك" في عشر مجلدات. ولتبسيط المذهب وتقريبه للأذهان، صنّف القاضي المالكي ابن الرمامة كتاب " تسهيل المطلب في تحصيل المذهب". أما النموذج الدعائي الكبير فيمثله كتاب "ترتيب المدارك" الذي ألّفه القاضي عياض للتعريف بالأعلام المالكيين، والترويج للمذهب في آن واحد، كما يبدو ذلك من خلال إحدى العبارات التي استعملها، والتي تعبّر عن اقتناعه التام بالمذهب المالكي والدعوة للأخذ به دون سائر المذاهب الأخرى، حيث يقول في هذا الصدد: "وقد نظرنا طويلا في أخبار الفقهاء، وقرأنا ما صنّف من أخبارهم إلى يومنا هذا، فلم نر مذهبا من المذاهب غيره أسلم منه. ... فالاستمساك به نجاة".
وفي نفس السياق، عقد بابا من كتابه لإبراز مكانة المذهب المالكي، والدعوة للتمسك به وتفضيله على كافة المذاهب الأخرى ليخرج بقناعة تامة وجهها للجمهور، وهي القناعة التي عبّر عنها بقوله: "اعلموا وفقكم الله أن ترجيح مذهب مالك على غيره وإنافة منزلته في العـلم، وسمو قدره عن طريق النـقل والأثر لا ينكره إلا معاند أو قاصر".
وعلى نفس المنوال، استعمل الفقيه المالكي أبو بكر بن العربي أسلوب الدعاية للمذهب المالكي، وهو ما يتجلى في قوله: "فلا تبالوا بما رووا، ولا تقبلوا رواية إلا عن أئمة الحديث. .. وغير ذلك هو الموت الأحمر والداء الأكبر".
يتضح مما سبق، ما قام به الفقهاء المالكيون من دفاع عن المذهب المالكي والترويج له، والدعوة للتمسك به، ومهاجمة المذاهب الأخرى، وكلها أساليب ساهمت في صحوة هذا المذهب.
حصيلة القول أن المغرب الإسلامي عرف صحوة مالكية خلال القرن الخامس الهجري (11م)، وهي ظاهرة متميزة تم تفسيرها بتراكم مجموعة من العوامل، منها ما يندرج في الرصيد التاريخي السابق لهذه المرحلة، ومنها ما يعزى إلى البيئة الحضارية، ومنها ما هو مرتبط بعقلية المغاربة الفطرية وتعلقهم بالإمام مالك، فضلا عن دور السلطة في جعل المذهب مصدرا للتشريع والعمل وحمايته بالقوة، ناهيك عن دور العلماء المالكيين في الدعاية والترويج له عبر التدريس والتأليف.